محمد بن محمد ابو شهبة

281

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

طوالا في هذا الشتاء القارص البرد ، العاصف الرياح ، المنذر بالمطر بين حين واخر . نقض بني قريظة العهد وخرج حييّ بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عهداهم ، فلما سمع به كعب أغلق بابه دونه ، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له وقال : يا حيي إنك امرؤ مشئوم ، وإني عاهدت محمدا عهدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا . وما زال حييّ به حتى فتح له فقال : ويحك يا كعب لقد جئتك بعز الدهر ، قال : وما ذاك ؟ قال : لقد جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، وبغطفان على قادتها وسادتها ، وقد عاهدوني على ألايبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه ، فقال كعب : دعني يا حيي ، فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا ! ! وتكلم عمرو بن سعدى القرظي فذكر وفاء الرسول ومعاهدتهم إياه وقال : إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه ، ولكن حييا ما زال بكعب يفتله في الذروة والغارب « 1 » حتى غلبت عليه يهوديته فاستجاب له ، ونقض ما بينه وبين الرسول من عهد ، ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العهد إلا بني سعنة : أسد وأسيد وثعلبة ، فإنهم خرجوا إلى رسول اللّه ووفوا بالعهد . استجلاء الرسول الخبر فلما انتهى الخبر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد اللّه بن رواحة ، وخوّات بن جبير وقال : « انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه « 2 » ، ولا تفتّوا في أعضاد المسلمين ، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس » .

--> ( 1 ) هذا مثل يضرب في المراوضة والمخاتلة ، وأصله في البعير يستصعب عليك فتأخذ القرادة من ذروته وغارب سنامه وتفتل هناك ، فيجد البعير لذة فيأنس عند ذلك . ( 2 ) يعني أسلوب التعريض والتلويح لا التصريح .